الشوكاني

168

نيل الأوطار

فأعمل أحاديث النهي وادعى النسخ في حديث الاذن ولم يوافق على ذلك ، حكاه ابن التين عنه انتهى . وقد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الواجب ، وقد أمكن هنا بلا تعسف كما عرفت . قال ابن العربي : لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان في مدح الدين وإقامة الشرع ، وإن كان فيه الخمر ممدوحة بصفاتها الخبيثة من طيب رائحة وحسن لون إلى غير ذلك مما يذكره من يعرفها ، وقد مدح فيه كعب بن زهير رسول الله ( ص ) فقال : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول إلى قوله في صفة ريقها : كأنه منهل بالراح معلول قال العراقي : وهذه القصيدة قد رويناها من طرق لا يصح منها شئ ، وذكرها ابن إسحاق بسند منقطع ، وعلى تقدير ثبوت هذه القصيدة عن كعب وإنشادها بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد أو غيره فليس فيها مدح الخمر وإنما فيها مدح ريقها وتشبيهه بالراح ، قال : ولا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا لم يرفع به صوته بحيث يشوش بذلك على مصل أو قارئ أو منتظر للصلاة ، فإن أدى إلى ذلك كره ، ولو قيل بتحريمه لم يكن بعيدا . وقد قدمنا ما يدل على النهي عن رفع الصوت في المساجد مطلقا في باب حمل المحدث . وأما التحلق يوم الجمعة في المسجد قبل الصلاة فحمل النهي عنه الجمهور على الكراهة وذلك لأنه ربما قطع الصفوف ، مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة والتراص في الصفوف الأول فالأول . وقال الطحاوي : التحلق المنهي عنه قبل الصلاة إذا عم المسجد وغلبه فهو مكروه وغير ذلك لا بأس به . والتقييد بقبل الصلاة يدل على جوازه بعدها للعلم والذكر . والتقييد بيوم الجمعة يدل على جوازه في غيرها ، كما في الحديث المتفق عليه من حديث أبي واقد الليثي قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد فأقبل ثلاثة نفر ، فأقبل اثنان إلى رسول الله وذهب واحد ، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها ، وأما الآخر فجلس خلفهم الحديث . وأما التحلق في المسجد في أمور الدنيا فغير جائز . وفي حديث ابن مسعود : سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقا حلقا أمانيهم الدنيا فلا تجالسوهم فإنه ليس لله فيهم حاجة ذكره العراقي في شرح الترمذي قال : وإسناده ضعيف فيه بزيغ أبو الخليل وهو ضعيف جدا . قوله : وعن الحلق بفتح المهملة ويجوز كسرها واللام مفتوحة على كل حال جمع حلقة بإسكان اللام على غير قياس ، وحكي فتحها أيضا كذا في الفتح .